الخطيب الشربيني

12

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والعزى ومناة ، وليس فيه عيبها ، وإن لم ينزله اللّه فقل أنت من عند نفسك أو بدله ، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، أو مكان حرام حلالا ، أو مكان حلال حراما ، ولما كان كأنه قيل فما ذا أقول لهم ؟ قال اللّه تعالى : قُلْ لهم ما يَكُونُ أي : ما يصح لِي ولا يتصوّر بوجه من الوجوه أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ أي : قبل نَفْسِي وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر ، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء والباقون بالسكون أَنْ أي : ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ فيما آمركم به أو أنهاكم عنه ، أي : لا آتي بشيء ولا أذر شيئا من نحو ذلك إلا متبعا لوحي اللّه تعالى وأوامره ، إن نسخت آية تبعت النسخ ، وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل ، وليس إليّ تبديل ولا نسخ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي : بتبديله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي وإني بفتح الياء ، والباقون بالسكون . قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أي : لو شاء اللّه لم ينزل هذا القرآن ، ولم يأمرني بقراءته عليكم وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي : ولا أعلمكم به على لساني . وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بقصر الهمزة بعد اللام جواب لو ، أي : لأعلمكم به على لسان غيري ، والباقون بالمدّ المنفصل . وقوله تعالى : فَقَدْ لَبِثْتُ أي : مكثت قراءة نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام فِيكُمْ عُمُراً سنين أربعين مِنْ قَبْلِهِ أي : قبل أن يوحى إليّ هذا القرآن لا أتلوه ولا أعلمه ، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذا القرآن معجز خارق للعادة . وتقريره : أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أوّل عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابا ، ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه ، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأوّلين ، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم ، فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من اللّه تعالى أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي : أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أنّ مثل هذا الكتاب العظيم على من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابا ، ولم يمارس مجادلة ، أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي من اللّه تعالى ، لا من مثلي ، وهذا جواب عمّا دسوه تحت قولهم ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا من إضافة الافتراء إليه . تنبيه : أقام صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن أوحي إليه بمكة ثلاث عشرة سنة ، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين ، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة . قال النووي : ورد في عمره صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث روايات : إحداها : أنه توفي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ستين سنة . والثانية : خمس وستون سنة . والثالثة : ثلاث وستون سنة ، وهي أصحها وأشهرها ، وتأوّلوا رواية ستين بأنّ راويها اقتصر فيها على العقود ، وترك الكسر ، ورواية الخمس أيضا متأوّلة ، وحصل فيها اشتباه ، ولما أقيمت الدلائل على أنّ هذا القرآن من عند اللّه وجب أن يقال : إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه من منكر ذلك كما قال تعالى : فَمَنْ أي : لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أي : تعمد عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي : أيّ كذب كان من شريك أو ولد أو غير ذلك ، وكأنّ الأصل مبنيّ على تقدير أن يكون هذا القرآن من عند اللّه ، ولكنه